أضيف في 20 نونبر 2015 الساعة 16:00


عشابة جائلون «يعالجون» أمراض المغاربة


* فاطمة القبابي


إذا كان السوق الأسبوعي، بالبوادي والمناطق الهامشية للمدن الكبرى مناسبة للتسوق وشراء المستلزمات الحياتية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، والفرصة الوحيدة في الأسبوع لاقتناء ما يحتاجه البدوي من خضر، وفواكه، ومواد تنظيف، فإنه لدى العشاب أو «طبيب السوق» فرصة لإثبات موهبته في معالجة جميع الأمراض دون استثناء، وبيع منتوجاته من الأعشاب الخام أو شبه مصنعة، مبيعات وأدوية أمام أعين الجميع، بمكبرات صوت، يتناهى صوتها إلى مسامع الجميع. فأين هو دور مصالح حفظ الصحة العامة؟ ودور القيمين على الشأن الصحي بالمغرب؟ لماذا يتم تجاهل مثل هذه الممارسات؟

السوق الأسبوعي «حد السوالم»
«حد السوالم» سوق أسبوعي مثل غيره من الأسواق، تابع لإقليم برشيد، يمثل خلاصة حياة المجتمع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وأنت تتجول في هذا المكان الفسيح تلاحظ خيام الباعة الممتدة على مختلف أرجاء السوق، فيها يتم عرض كل أنواع المنتجات، ترتفع حناجر الباعة مدوية، لتمتزج بروائح السردين واللحم المشوي، والشاي والقهوة، يوم مميز بالنسبة لكل بدوي، يسترعي انتباهك مجموعة من الرجال يقفون بشكل دائري مثل حلقات جامع الفنا بمراكش، حول رجل في عقده الرابع يجلس على كرسي داخل خيمة مفتوحة تقيه أشعة الشمس، يخاطب المتجمهرين حوله عبر مكبر للصوت، يشغله ببطارية إلى جانبه، بكلمات مختارة بعناية لاستمالة أكبر عدد من الزبائن، يروج لأدوية ومستحضرات شعبية في أكياس بلاستيكية مفتوحة يزعم أنها تشفي جميع الأمراض، (العقم، البرودة، الربو، البرص، آلام الظهر…). ينصتون إليه باهتمام وفي صمت تام لعلهم يجدون في منتجاته ما يشفي أمراضهم.

حرفة الأجداد
غير بعيد عن «العشاب» الأول، يجلس عشاب ثان، رجل في منتصف عقده الخامس (ح.س) تعلو وجهه سمرة تنم عن انتمائه إلى الجنوب المغربي، يؤكدها لباسه التقليدي الصحراوي، يفترش قطعة حصير تشاركه فيها مجموعة من الأعشاب وجلود الحيوانات، ومساحيق الأعشاب معروضة في أكياس بلاستيكية تحت أشعة الشمس، يتحدث بلكنة صحراوية عن فائدة كل «عشبة» من «العشوب» المعروضة أمامه، ليعرضها بعد ذلك على من يعاني مرض ما، بثمن منخفض، قائلا «إلى كانت عندك الضيقة ولا البرودة في المفاصل ولا في الركابي راه دواك هنا جي جرب ورد عليا الخبار والى زدت عليك شي ريال ما تسامحنيش» . يشخص الحالات عبر سؤالين، ثم يصف الدواء مباشرة ويشرح طريقة استعماله، تقدمنا نحوه لمعرفة خبرته في معالجة كل هذه الأمراض، حيث أكد أن حرفته تعلمها من جده منذ الصغر، قائلا كنا نجوب كل الأسواق وفي كل جولة تزداد معرفتنا بخبايا الأعشاب في معالجة الأمراض.
نماذج لعدد من الأشخاص أعطوا نفسهم الحق ليكونوا « أطباء بالأسواق الأسبوعية» يعلنون خوارقهم في علاج كل الأمراض، حتى التي استعصى على الطب إيجاد دواء لها، بكلمات مختارة بدقة، تغلف في بعض الأحيان بعبارات دينية حتى تأخذ طابع الثقة وتوقع الأثر في نفوس مستمعيها.
لم تكن حلقة العشاب الأول، والعشاب الصحراوي وحدهما في السوق بل ونحن نتوغل في السوق لفتت انتباهنا خيمة بسيطة بكراسي بلاستيكية ومرآة مكسرة، ومائدة طويلة عليها بعض الأضراس والأسنان التي أزالها لزبائنه، كومة قطن و»كلاب» يشبه الملقاط، وقنينة دواء أحمر، عتاد بسيط لرجل يزاول مهنتين في الوقت ذاته (با العربي) بوزرته البيضاء وشعره الأبيض، رجل جاوز الستينيات من عمره يجتمع بخيمته عدد قليل من الزبائن، كل حسب حاجته، منهم من يود قلع ضرس أو سن ومنهم من يود حلق شعره ولحيته، مهام متعددة لشخص واحد، يتفنن في استعمال عتاده ومهاراته ليرضي زبائنه سواء للحلاقة أو لانتزاع أضراس أو أسنان المرضى الذين لا يترددون في فتح أفواههم ليخلصهم من آلامهم دون الإلمام بمخاطر الجراثيم، والتلوث والتسمم، أو مخاطر الأدوات المستعملة دون ترخيص لمزاولة هذه المهنة، همهم الوحيد هو العلاج السريع وغير المكلف ماليا، مهنة حسب المتتبعين للشأن الصحي اكتسبت شرعيتها من واقع الممارسة التي تعود لعقود من الزمن، ومن ثقة الزبناء. اقتربنا من (با العربي) لمعرفة أسرار وخبايا مهنته قائلا «هذه حرفتي التي أسترزق بها الله منذ زمن طويل، زبنائي من الناس الذين يعرفونني كأبناء الدوار، والمناطق المجاورة « ليؤكد قوله الحاج احمد أحد الزبائن «أنا كاع الضراس حيدتهم عندوا إيدو مزيانة» .

بركة الزاوية… والشفاء بالنية
تركنا حد السوالم والسوق الشعبي، في اتجاه مدينة الدار البيضاء فبمختلف المناطق الهامشية، تنمو أسواق شعبية تنتظم كبوتقة يلتقي فيها الجميع قصد ممارسة أنشطة مختلفة من بيع وشراء، وتبادل السلع، فبمنطقة المسيرة، بحي مولاي رشيد وبين الباعة الفراشة يصلك صدى بركة «أمي يزة» امرأة في عقدها الرابع رأس مالها خيمة صغيرة وقنينة غاز صغيرة، وقضيب حديدي معوج يشبه قبضة اليد، فوق الخيمة علقت لائحة كتب عليها علاج (بومزوي، والبرودة، وقطعان اللحم، بوزلوم،) امرأة نحيفة تعلوها صفرة، تقول إن الشفاء بالنية والأعمال بالنية، دخلت الخيمة بحجة أني مريضة وأشكو آلاما في الظهر، بينما أنتظر دوري استطردت (مي يزة) في حديثها مع إحدى النسوة بعد أن مددتها وأخذت القضيب فوق نار هادئة وشرعت في تدليك بطن المرأة التي تشتكي من قطعان اللحم على حد تعبيرها، إنها بركة الزاوية وكل المرضى الذين قصدوا الزاوية تماثلوا للشفاء بفضل الله مضيفة (احنا كنديروا السبب والكمال على الله) بركة يهبها الله لمن أراد من عباده. تؤكد (مي يزة) أن مهنتها هذه تمارسها بكل حرية لأنها مصدر رزقها. تعلق إحدى النساء التي تنتظر دورها (ما كاديري حتى حاجة حرام وبزاف ديال الناس لقاو على اديك الشفا).
أصبح «لمي يزة» زبائنها منذ أن داع صيت بركتها من المتعاطفين والنساء اللواتي يتعاطين لها، تؤكد بعض المصادر أن السلطات تتعامل بنوع من المرونة مع الممتهنين لهذه المهنة أمثال «مي يزة» إذ نادرا ما تتدخل لمنع ممارسة هؤلاء لنشاطهم العلاجي.

السحر و«التوكال»
معظم زائري الأسواق الشعبية والباحثين عن العلاج، يقصدون الباعة الجائلين الذين يعرضون سلعا مختلفة من الأعشاب، يقنعون زبائنهم بأهميتها في علاج الأمراض العضوية منها والنفسية، ومن الحالات التي يدعي هؤلاء الباعة علاجها، حالات السحر و»التوكال» و»التقاف» بحيث تجد المرء يجلس ويستمع لكلام البائع الذي يصف له الحالة والعلاج بدقة، كما يصف له طريقة أخذ الدواء وعدد المرات، في وصفة شفوية تختلف عن وصفة الطبيب التي تكون مكتوبة وعلى المريض أن يذهب للصيدلة لشرائها، فهنا البائع يصف الداء ويبع الدواء.
في حي أناسي بالدار البيضاء، تجمهر العديد من النسوة حول سي محمد، الذي اعتاد أن يأتي للمنطقة التي تتوفر على مساحات شاسعة يستغلها الباعة وكبقية «العشابة» يعرض محمد منتوجاته على طاولة بقنينات مختلفة الأحجام، وكتب تهتم بالطب البديل وطب الأعشاب، مخاطبا المتجمهرين حوله عبر مكبر للصوت يحمله في يده اليسرى، وفي اليد الأخرى يحمل قنينات صغيرة الحجم بمحلول أحمر اللون داعيا إلى تجريب المحلول أمام الجميع لمعرفة النتيجة.
ليتقدم نحوه رجل من المستمعين بصوت خافت بينه وبين العشاب يشرح أعراض مرضه، فيأخذ قنينة من المحلول ويغادر الحلقة بعد أن أدى ثمنها بشكل سري للعشاب، دون تردد لحقنا به لسؤال عن الدواء وماذا يعالج؟ أجاب قائلا «كنت أحس بآلام شديدة في أسفل البطن لا أقوى معها على التحرك والحمد لله منذ أن جربت الدواء حالتي الصحية بدأت في تحسن».
علاج الأمراض يجمع عليه ذوو التجربة للدواء وهو ما أكده مصطفى أحد مستعملي الأعشاب، بقوله كنت مريضا بقطعان اللحم لم ينفع معي أطباء إلى أن جربت مرهم «بدروة الجمل والسمن الحايل» أعطاني إياه أحد العشابة والحمد لله منذ ذلك العهد لم أعد أحس بأي آلام.
معظم من تحدثنا إليهم يلجؤون لهذا النوع من العلاج لقلة ذات اليد، بينما يلجأ البعض الآخر للعلاج بالأعشاب بعدما لم يفلح في علاج مرضه الطب العصري.

تقنين الحرفة
ففي الوقت الذي يزاول فيه العديد من «العشابة» حرفتهم في الأسواق الأسبوعية والشعبية، نجد بأن العديد من العشابة، بدأ يتهرب من زيارة الأسواق وحاول تقنين حرفته التي بحسب التصريحات المدلى بها لـ»المساء» أصبحت تضم دخلاء على المجال لا يهمهم سوى الربح المادي، لهذا فالعديد من «العشابة» قاموا بكراء دكانين وسط الأحياء الشعبية أو بجوار المساجد، بحثا عن زبنائهم بشكل مقنن وحرفي أكثر.
ففي الدار البيضاء، مثلا لا يوجد حي بدون محل أو دكان «لعشاب» سواء عصري أو تقليدي، قصدنا أحد المحلات بأناسي بتجهيزات عصرية وآلات لتدليك، وملصقات إرشادية تهم تساقط الشعر، والنحافة، وزيادة الوزن، وآلام الظهر وعرق النساء. قنينات زجاجية بمختلف الأشكال والروائح، كتب عليها اسم الدواء، وبحسب عبد اللطيف، مالك المعشبة، الذي يؤكد أن جل المنتوجات التي يبيعها طبيعية فإن الإقبال كبير على مثل هذه المعشبات من لدن المواطنين من مختلف شرائح العمر، لأن العلاج بالمواد الطبيعية أفضل في نظره من العلاج بالمواد الكيماوية، مؤكدا أن دراسته للأعشاب كانت عن قناعة، وبتوجه أكاديمي كان آخرها بكلية مولاي إسماعيل بمكناس، مشيرا إلى أن الميدان يحتاج الكثير من الاجتهادات في البحث وتتبع مستجدات الأعشاب بالإضافة إلى الاجتهاد على مستوى فضاء الاشتغال، لأن الميدان اليوم أصبحت تسوده عشوائية تامة تلزم الدولة بوضع قانون ينظم هذه المهنة.
بمجرد دخولك للمعشبة، يستقبلك المكلف بها ثم يسألك عن المرض الذي تعانيه، ليتم فحصك أولا ثم وصفة الدواء ثانيا، وتسلم إليك ورقة تعرف بمهام المعشبة التي تهم التخسيس وإنقاص الوزن، التجميل والعناية بالبشرة بالإضافة إلى الحجامة بالطريقة العصرية.
كريمة 35 سنة هي إحدى الزبونات لمحل العشاب عبد اللطيف، قالت إنها تفضل العلاج بالطب البديل خصوصا بعدما زارت الطبيب مرارا وتكرارا وفشل في علاج مرضها الناتج عن سوء الهضم، حيث لجأت لتجريب بعض الأعشاب الطبية المتنوعة بوصفة من العشاب والتي ساهمت بشكل فعال في علاجها حسب روايتها. أما خالد فإنها المرة الأولى التي يزور فيها العشاب بعد أن نصحه صديقه الذي زار العشاب وتماثل للشفاء، بزيارة هذا المحل لعلاج مشكل ألم الظهر الذي يعاني منه.

صفة لا تصلح
فيما يخص واقع الطب البديل وانتشار المتطفلين على هذه المهنة يقول بوعزة خراطي رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، إن إطلاق كلمة طبيب على هؤلاء المتطفلين هي إهانة لمهنة الطب وللطبيب أيضا، لأن الطبيب درس وأفنى حياته في التعلم حتى يصل إلى ممارسة مهنته كطبيب في حين أن الذين يزعمون مهنة الطب في الأسواق، هم مجرد متطفلين على المهنة موضحا أن انتشار هذه الظاهرة، سببه خلل في النظام الصحي، بالإضافة إلى انتشار الأمية داخل المجتمع المغربي؛ وهي ليست أمية الجهل بالكتابة والقراءة بل عدم الوعي بالأضرار التي يحدثها التعاطي لهذه الأعشاب أو المنتوجات، مضيفا أن المستهلك المغربي فقد ثقته في الطب وخاصة الطبيب -الذي كان يعرف قديما بالحكيم- يتحمل نصيبه من المسؤولية بفعل الهدر وعدم إتقان المهنة على أكمل وجه، فالمواطن المريض يعاني من انتشار الرشوة بالمستشفيات العمومية، وغلاء تكلفة العلاج بالمصحات الخاصة، وفي كثير من الأحيان لا يجد النتيجة المرضية، وبالتالي عندما يطول أمد المرض يبحث الإنسان عن العلاج بأقل ثمن وبأي وسيلة مما يجعله يثق في كل شيء وهذا ما شجع على انتشار المتطفلين على مهنة «عشاب».
وأكد المصدر ذاته، أن مهنة العشاب في المغرب خاضعة لقانون بترخيص من الحكومة أو الأمانة العامة للحكومة، لكن للأسف هناك عشوائية في بيع الأعشاب خاصة بعد الموجة الإعلامية لبعض الإذاعات الخاصة التي ساهمت في نشر وتشجيع هؤلاء العشابة فقد طالبنا الهيئة العليا للسمعي البصري، باحترام هذه الإذاعات لدفتر التحملات وعدم تشجيع مثل هذه الممارسات.
فمهما كانت الأسباب التي يلجأ بسببها المرضى لـ»العشابة» سواء في الأسواق أو المعشبات العصرية، فإن التقصي واجب في ظل غياب تفعيل القانون الذي ينظم هذه الحرفة، وهذا ما أكدته الدكتورة فتيحة الظريف، تخصص، طب عام، والتي طالبت بتفعيل دوريات المراقبة، للحد من ظاهرة العشوائية في بيع الأعشاب، خاصة وأن الكثير من العشابة تضيف يقدمون خلطات مطحونة للمواطنين مما يشكل خطرا على صحتهم مستقبلا.

 

* صحافية بجريدة المساء





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
ستمائة مليون درهم لبناء قرى للصيد في الجنوب تحولت إلى خراب
ملف: أثرياء المغرب.. «اجمع الفلوس وسد فمك»
هكذا يتلاعب أباطرة الغش بتغذية المغاربة
57% من الأسر المغربية متصلة بالإنترنيت