أضيف في 11 غشت 2017 الساعة 19:42


الصحافي" محمد عالي جداي" يكتب " فوضى الأخلاق والمهنية"


بقلم: ذ. محمد عالي جداي

كان من المنتظر في  منتصف هذا الشهر  ان تقوم الحكومة المغربية بتطبيق قانون الصحافة لضبط هذه المهنة "وتنظيمها" ، وفِي كل مرة تخرج مجموعة من مهنيي ومنتسبي ومتطفلي هذا القطاع  عبر منابرهم  بوصف كل خطوة مشابهة لهذه ،  بأنها ضرورية او انها ضرب في حرية التعبير وفِي حق الوصول الى  المعلومة وغير ذلك كثير لكن لم لا نطرح سؤالا جوهريا  حول من يحق له مزاولة هذه المهنة؟
 مهنة الصحافة ارتبطت بالمثقفين والكتاب والمناضلين  وجعلوا منها ساحة للصراع الفكري ، قبل غيرهم ممن جعلوا منها مهنة لكسب الرزق والتشهير والسب وفضح عورات الناس ، غير مهتمين بوقع ذلك على نفسيات الأسر والمراهقين خاصة ممن ذُكر اسماء آباءهم في مقال هنا او هناك .
واكدت صفحات التاريخ  منذ اكتشاف الكتابة ان  للانسان  غريزة  مرتبطة بنقل واستقبال الأخبار ، وهي حاضرة الى يومنا هذا،  ومع تطور الاعلام ووسائله وتعددها، سواء  التقليدي الكلاسيكي او الالكتروني الحديث التفاعلي  فان ادوار الاعلام أيضا  تغيرت  من نقل للخبر الى صناعته  وتحليله وقراءة ابعاده ، بل احيانا السيطرة على الرأي العام  قبل تنويره.
وهنا نستحضر قول بيير بورديو : تبدو العلاقة بين العمل الفكري و الإعلامي علاقة تناقض بإمتياز،بين حقل أول يحتاج إلى مسافة كبيرة من التأمل و الهدوء و التدقيق و الحفر الأركيولوجي والبحث عن المعطيات التكوينية وحكها و الكشف عنها،في مجال تبنى معطياته على بعضها البعض في تأمل لعمق التجربة الإنسانية و دلالاتها الأبعد وحقل ثاني يحتاج إلى الكثير من السرعة و التنافس في نقل الأخبار و المعلومات و التعليق عليها وشرح خلفياتها ثم سرعان ما يتم قبرها حيث أنباء تقوم بقبر أنباء أي " أخبار".
ان تسارع الأحداث وكثرتها أفسدت قيمة الخبر  ومصداقيته بل وتأثيره على مجال وقوعه .
ويبقى السؤال الى اي حد يؤثر الخبر في الرأي العام ؟؟ سؤال مرتبط في نظري بعاملين أولهما وعي المجتمع بقيمة الخبر وتداعياته وانعكاسه على حياتهم  على المدى القريب والبعيد ،  والعامل الثاني هو مصدر الخبر وصدقيته ولهما تأثير مباشر على الراي العام . وهنا اشكالية كبيرة مرتبطة ب : من يكتب ولمن يكتب؟؟
 المصيبة ان صح التعبير مرتبطة باحتكار مهنة الصحافة وربطها بأسماء ومؤسسات دون غيرهم ، من ينقل خبرا دقيقا وصادقا هو بالضرورة صحفي ، اما طبيعة الخبر وأهميته  هما ما يجعلان من الخير ذو قيمة  أم  لا.
 الاعلام الحديث لا يُؤْمِن الا بالجودة وسرعة نقل الخبر وتفاعل الجمهور معه من خلال المشاركة والتعليق، هذا ما اكسب  وسائل التواصل الاجتماعي صدارة المشهد الإعلامي وفرضت نفسها كوسيلة فعالة وتلبي رغبة الراي العام . وبقي الصحفي التقليدي حبيس بعض المراسلات من الجهات المسؤولة لتغطية نشاط مخلد لذكرى ما ، في انتظار استراحة شاي او وجبة غذاء لا تختلف كثيرا عن مقالاته المتسرعة .
 اما وسائل الاعلام التقليدية بما فيها الجرائد الالكترونية وجدت نفسها ضمن مواد وسائل التواصل الاجتماعي ، ولَم تستطع احتوائها . وهو ما يفسر وجود صفحات لجرائد الكترونية واُخرى للمؤسسات ووكالات أنباء على الفيس بووك وتويتر.
تنظيم القطاع مؤسساتيا امر ضروري لكن هناك من يقول انه لا يخدم احدا لان الفوضى المنظمة هي من تتحكم في الإعلام في هذا الزمن ، ولان هناك من يستفيد من هذا العبث والضحية في هذا الوضع  طبعا هو من يمتلك مقومات العمل الصحفي من ضبط لاجناس الكتابة الصحفية ومهن الاعلام المتعددة ووجد نفسه حبيس عقليات متحجرة.
في ظل هذا الخلط بين الجريدة كخط تحريري وصاحبها صاحب الهاتف الذكي الذي يقدم له خدمات جليلة تبدأ من تصحيح أخطاءه الإملائية وتنتهي بالنقل المباشر ، ( فلم يعد الصحفي قادرًا على تحليل الخبر ويكتفي بالعناوين الفضفاضة وأحيانا أكبر من مفردات الخبر نفسه.)  اصبح الباحثون  في الاعلام يجتهدون لتحديد اي صنف من الأصناف الصحفية ينتمي لها هذاالمقال او ذاك .
يقدم لنا بورديو الباحث الفرنسي  هذا المثال البسيط ليبرهن لنا أن ثمة فعلا تشابه في تعاطي وسائل الإعلام في مضمونها .على الرغم من التعددية الظاهرة ،هذا التشابه يعزيه إلى دورة الخبر حول نفسه :"ينشر في جريدة ،فيلتقطه صحافي في مؤسسة إعلامية ثانية ،ويتابعه مضيفا إليه رتوشات صغيرة قد لا تكون لها أية أهمية ،وهو يفعل ذلك بدون أن يكلف نفسه عناء البحث عن خبر أخر جديد و مفيد ".
القانون المنظم لمهنة الصحافة امر ضروري للحد من هذه الفوضى ، لكن الأهم من القانون هو اخلاقيات المهنة التي لا نكاد نسمع عنها حديثا ولا نقيم لها وزنا، الصحفي / الإعلامي الذي يجلد ذاته وجسمه الصحفي او زميلا له ليس حبا في المهنة،  لكن لان شعوره بالمنافسة الشديدة جعله ( وجعل ممن كان يكسب  دريهمات عددها بعدد احرف مقالاته)  في مهب الريح .
العالم له قانون  يتقدم كل يوم  وكل مهنة محكومة  بقانونها وديموقراطية البلد الذي وجدت نفسها فيه . فلا يمكن ان نوقف الزمن ليلتحق بِنَا من لم يدركوا هذه الحقيقة  وأرادوا لهذه المهنة ان تبقى حبيسة لهم وان على  اي صحفي او إعلامي او من يحترم قيمة الخبر ورأي المتلقي ووعيه ان ينهج منهج من سبقوه ويلتزم بخطهم التحريري وطريقة عملهم ان كانت أصلا موجودة ،  أتمنى ان تعج الدنيا بأصناف الاعلاميين حتى يتمكن القارئ من إيجاد ذاته في ما يُكتبُ و ينشر وفِي ما يبدعه إعلاميونا وصحفيونا الأفاضل  اصحاب الذوق الراقي ومن تشبعوا باخلاق هذه المهنة  الشريفة ، حتى تدهب عنا هذه الأصنام الصحفية .





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
شركة "العرايشي"تمنع الإعلامي الصحراوي"الليلي"من دخول مقرها،وفعاليات المناطق الجنوبية تستعد للرد.
" إدارة العرايشي" تعيد صرف الراتب الشهري للإعلامي الصحراوي "الليلي".
عناصرالفرقة الوطنية يعتقلون الصحافي "علي أنوزلا" بسبب فيديُو نشرته إلبَايِّيس.
أنوزلا في أول جلسة له أمام قاضي التحقيق:أرفض متابعتي بمقتضى قانون الإرهاب
الصحافي "علي أنوزلا" يوقع بخط يديه قرار إيقاف " لكم" داخل زنزانته بالسجن المدني سلا 2.
الصحراوي "محمّد راضي الليلي" يُضرب عن الطعام أمام مقرّ الـSNRT
مقترح لإحداث التعاضدية الوطنية للصحفيين
كليميم:اللقاء التضامني مع الصحفي محمد راضي الليلي
""حوادث الصحراء"...أول جريدة إلكترونية صحراوية متخصصة في الحوادث والجرائم.
"الداه محمد لغظف" يقر بأن التوظيفات بقناة العيون الجهوية تمت بدعم من وزارة الداخلية